ابن أبي الحديد

137

شرح نهج البلاغة

قال أبو جعفر : فلما دخلت سنه خمس وثلاثين ، تكاتب أعداء عثمان وبني أمية في البلاد ، وحرض بعضهم بعضا على خلع عثمان عن الخلافة ، وعزل عماله عن الأمصار ، واتصل ذلك بعثمان ، فكتب إلى أهل الأمصار : أما بعد ، فإنه رفع إلي أن أقواما منكم يشتمهم عمالي ويضربونهم ، فمن أصابه شئ من ذلك فليواف الموسم بمكة ، فليأخذ بحقه مني أو من عمالي ، فإني قد استقدمتهم ، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين . ثم كاتب عماله واستقدمهم ، فلما قدموا عليه جمعهم ، وقال : ما شكاية الناس منكم ؟ إني لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم ، وما يعصب هذا الامر إلا بي . فقالوا له : والله ما صدق من رفع إليك ولا بر ، ولا نعلم لهذا الامر أصلا ، فقال عثمان : فأشيروا علي ، فقال سعيد بن العاص : هذه أمور مصنوعة تلقى في السر ، فيتحدث بها الناس ، ودواء ذلك السيف . وقال عبد الله بن سعد : خذ من الناس الذي عليهم ، إذا أعطيتهم الذي لهم . وقال معاوية : الرأي حسن الأدب . وقال عمرو بن العاص : أرى لك أن تلزم طريق صاحبيك ، فتلين ( في ) ( 1 ) موضع اللين ، وتشتد ( في ) ( 1 ) موضع الشدة . فقال عثمان : قد سمعت ما قلتم ، إن الامر الذي يخاف على هذه الأمة كائن لا بد منه ، وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن ، فكفكفوهم ( 2 ) باللين والمداراة إلا في حدود الله ، فقد علم الله إني لم آل الناس خيرا ، وإن رحا الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها ! سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم ( 3 ) ، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها ( 4 ) .

--> ( 1 ) تكملة من الطبري . ( 2 ) كفكفوهم : اصرفوهم . ( 3 ) المداهنة : المصانعة ، وفي الطبري وج : " فلا تدهنوا " ، والإدهان : المصانعة . ( 4 ) في الأصول : " حقوقكم " ، وما أثبته عن الطبري .